لماذا مشروع المنحة المدرسية ؟بقلم : عبد الله احمد كجر

اثارت هذه اللقطات شجونا بدواخلي كنت اكتمها ، لم أكن قبلها حريصا بالقدر الكافي علي تدوين تفاصيل غير أساسية عن واقع تنفيذ مشروع المنحة المدرسية بشرق السودان ،،
في صباح الاثنين الموافق: 9 يونيو 2015م ، وعند السابعة صباحا توجهنا من مدينة كسلا الي منطقة دوكة التي تقع في محلية القلابات الشرقية بولاية القضارف بهدف متابعة اداء صرف المنحة المدرسية ، ضم فريق العمل : شخصي كمنسق للمشروع وزميلي : صلاح حسن همد، الذي كان يقود العربة ، والزميل :حازم بابكر الحاج في مهمة التوثيق لانشطة الرحلة ،،
سار بنا الزميل : صلاح وهو يطلب منا تلاوة أدعية السفر ، ويرجو من الله الا تكون الطرقات – شديد الوعورة- كل من يعرف جغرافية ريف القضارف جيداً يدعو الله عند السفر ان يخفف عليه التعب ويعينه علي وعورة الطريق خاصة في اوقات الخريف ،،
الطريق الي دوكة لم يكن صعبا ، وكأن الله قد استجاب لدعواتنا ، وصلنا عند الساعة 10ص ، وكان في استقبلنا الاستاذ/ فتح الرحمن ، منسق مشروع المنحة المدرسية بالمحلية ببشاشته وكرم اهل الريف المعروف ، قدم لنا اكوابا من الشاي الساخن ،، كانت المساحات الفراغة حولنا تخبر عن خريف ممطر ، قد زين المنطقة بثوب اخضر جميل ،
علي الفور طلبت من الاستاذ/ فتح الرحمن الانضمام لفريق العمل والصعود معنا علي السيارة لتنفيذ زيارات المتابعة للمدارس الفائزة بالمنحة المدرسية ، وفي عجالة اخذ الاستاذ/ فتح الرحمن كشف باسماء المدارس ، طلب منه الزميل صلاح ان يجلس في الكرسي الامامي ليدله علي السير بين الازقة كثيرة التعرج .
بدأ الاستاذ/ فتح الرحمن في وصف موقع اول مدرسة مستهدفة ، كانت مدرسة الزهراء الاساسية بنات ، وعند مدخل المدرسة استقبل فريق الزيارة الاستاذ /سعيد احمد جلال الدين ، مدير المدرسة ، ولم يكن قد أخبر سابقا من قبل الادارة التعليمية بقدومنا ، وبهمة عالية وزوق اهل المنطقة الرفيع كلف احد المعلمين بتحضير ضيافة لنا – ابلغته بهدف الزيارة ورغبتنا في مراجعة مشتريات المنحة المالية المقدمة للمدرسة وفحص المستدات المؤيدة لشرائها ، ودون تردد اخرج ملف خاص بالمنحة من خزاتة الملفات الذي بدا عليه ان من ضمن المشتريات المقصودة مراجعتها حيث كتب عليالخزانة بخط عريض بتمويل من المنحة المدرسية وكانهم يعترفون بفضل الداعمين قمت- بشكل اعتدت عليه- بتصفح محتوى الملف ومراجعة كل المستدات بداخله ، وخلصت الي ان ادارة المدرسة استفادت من التدريبات التي قدمت حول المهام المرتبطة بالمشتريات والادارة المالية ، ثم طلبت منه السماح لنا بمعاينة المشتريات للتحقق من وجودها ، وبالفعل وجدت ان المدرسة قد نفذت جميع عمليات الشراء المصدقة ضمن خطة العمل وفقا للاجرءات الموضحة في العقد المبرم بين المنظمة والمدرسة ، وبذلك انتهت زيارتي لاول مدرسة ضمن جدول الزيارات المخطط لها ؛ولكن قبل ان اغادر طلب مني مدير المدرسة التوقيع علي دفتر الزيارات .. ابتسمت وشعرت بالراحة ، علقت قائلا : ان الدفتر يشير لمهنية ادارة المدرسة ، وشكرت مديرها علي الضيافة وحسن الاستقبال ، ثم توجهنا الي تكملة جدول الزيارات الذي كان يشتمل علي 15 زيارة مخططة .
زرت كل المدارس ضمن مخطط الزيارة ووجدت الجميع ملتزمون بتنفيذ عمليات الشراء وفقا لما هو مخطط له بجانب التزامهم بالعقود المبرمة؛ الا اني قمت بتوجيه بعض مديرى المدارس بتعديل بعض المستندات لقصور لمسته فيما يعرف بمبدأ الافصاح المحاسبي .
كانت المدارس التي زرتها مزدحمة بالتلاميذ، فعند المستويات المتوسطة اعطت إحصائية الفصل خمسين طالبا مع بيئة متردية تخلو من الملامح الصديقة للاطفال ، يقل بها عدد المعلمين وعلي قلتهم كانوا يتبادلون الجلوس علي الكراسي والترابيز ، ففي احد المدارس وجدت معلمات يجلسن علي هيئة صفرة الطعام ، الكل يجلس حول طاولتين ملتصقتين .
في زيارتي لاحدى المدارس و عند المدخل تماما تناهت لمسامعي صدي الاصوات الصادرة من احد الصفوف التي تبدو جدرانها آيلة للسقوط ، لم اتردد البته في الدخول إلي ذلك الفصل الذي كان في حالة من الفوضى الشديدة واذا به الصف الثامن ، كان التلاميذ يتبادلون الصرخات المدوية والمعلمون في الجانب الاخر في ثبات كانهم في عالم منفصل ، دخلت الي الفصل فاذا بالتلاميذ قد وقفوا في صمت واحترام وهي تحية تقدم للمعلمين عند دخولهم الفصل ؛ في البداية نسيت ان اطلب منهم الجلوس وبدأت اسالهم عن سبب هذه الفوضى، رد علي احد التلاميذ بسرعة ويبدو انه (الالفه) ان المعلمة غائبة عن الحصة وانه قد سجل اسماء التلاميذ( المهرجلين) ، طلبت من التلاميذ الجلوس بعد ان ارسلت نظرات جادة ومعاتبة للجميع ، ثم طلبت من الالفة تلاوة كشف المهرجلين و طلبت من التلاميذ المدرجين ضمن الكشف الوقوف ،وقمت بتقديم النصح لهم وتذكيرهم باهمية استغلال الوقت في المذاكرة حيث انهم سيجلسون لامتحان شهادة الاساس ، تركتهم يجلسون ثم اقترحت علي التلاميذ بالفصل مسابقة من خلالها اطرح عليهم سؤال مقابل جائزة مالية اعلنت قمتها (عشرون جنيهات)
وقفت انتظر أول متطوع للاجابة .. لم يتطوع احد .. اكدت لهم ان السؤال سيكون سهلا … فاذا بعشرات الاصابع قد علقت في سماء الفصل والاصوات تعالت وهي تناديني في تنافس شديد استاذ .. استاذ… طرحت عليهم السؤال: اذكر ثلاثة من محليات ولاية القضارف ؟ خيم الصمت علي ارجاء الفصل فتحت عيني علي اتساعهما لأرى من يشير طالبا الاذن .. الكل فاقد للشجاعة .. وقد تهاوت الاصابع ودست تحت الطالولات المتهالكة .. تفاجأت بهذا الصمت ؛ اعطيتهم فرصة خمس دقائق للتفكير في الاجابة لعلي اجد في عين احدهم شجاعة المحاولة … انتهى الوقت ولم يجب احد ًا ، بدأت اشعر بالاحباط ، فالسؤال لم يكن علي قدر هذا الصمت ،ولكني عدت لصناعة الامل من جديد فاعطيتهم دقيقتين اضافيتين ، رفع احد التلاميذ اصبعه في تردد ، اشرت بسرعة له بالاذن – ذكر محليتين ثم تمتم في صوت خافض وسكت ؟! في النهاية اعطيته الجائزة، وطلبت له التصفيق ، صفق له التلاميذ بشدة وفي اعينهم شئ من غيرة الاطفال.. خرجت من الفصل وقد تسالت في نفسي متعجبا مافائدة دراسة هؤلاء الاطفال لمقررات نحن والعالم المعاصر وهم لا يعرفون الحدود الجغرافية القربية من حولهم ؟
اخر المدارس التي زرتها كانت مدرسة ام المؤمنين- حفصة بنات ، دخلت من بواب المدرسة والتي كانت عبارة عن طوب قد رص علي هيئة مدخل ، ومن اول نظرة -لم تكن فاحصة – شاهدت لقطات من شريط طويل لحكايات لا تسع الصفحات الالكترونية لتسطيرها ، ولكنها ايضا لقطات تروي عظمة امال اطفالنا وقدرتهم علي السير بقوة رغم الحواجز والمعوقات ، وتلكم الاصابع المرفوعة ذكرتني ايام دارستي الاولى حيث اني ما زلت اذكر انني درست الصف الاول والثاني في راكوبة من القش تقف علي اربع شعب اتخذ منها السوس سكنا لها كان و بسقف القش فتحات ترسل اشعة الشمس باستمرار ، ولكن الامر مضى عليه 25 عاما؛ رغم انه ما زالت تلك الراكوبة منتشرة في مدارس تعليم الاساس كانها احدى مكونات البيئة التعليمية ومازال المعلم يحمل الخرطوش الاسود ملوحا به وقد توجهت اليه انظار التلاميذ الصغار – من سره زمن ساءته زمان-
سوف لن تتضجر تلك الاجساد الصغيرة التي تقعد علي الارض من حال البيئة التعليمية القاسية ، فقد امضيت وقت طويل في هذه المدرسة اتنقل بين الصفوف من فصل الي اخر اطالع مكونات الفصول وأعين الاطفال فأرى فيها ما تعجز السنتهم التحدث به .
المظاهر التي كانت تبدوعليها الفصول تجسد المتناقضات التي يتميز بها حال التعليم بشرق السودان ؛ اطفال قادرون علي تحدي واقع البيئة التعليمية من حولهم ، ومعلمون يتهربون من البقاء والعمل في مثل هذه البيئات ! هل يجب علي المعلمين التعلم من التلاميذ ام ان صبر التلاميذ ذلك ما هو الا خوفا من الخرطوش الاسود ؟
وقفت امام باب الصف الثاني اطالع مكونات الفصل في فضول ، فشعرت المعلمة بوجودنا وتحركت الي الداخل في اشارة لنا بالدخول ، فقد استنتجت من وجود الاستاذ/فتح الرحمن اننا مسئولو مشروع المنحة المدرسية . دخلنا الي الفصل ، وكالعادة قام الصغار من الارض ليلقوا التحية علينا في احترام كبير ، طلبت منهم المعلمة الجلوس فجلس 50% من عدد التلاميذ علي الارض والبقية صعدوا مره اخر الي “الكنب ” في زحام ..
بدأت اسال المعلمة :
– لماذا يجلس هولاء الاطفال علي الارض ؟
المعلمة : مافي كنب – نعمل ليهم شنو؟
– من اداكم الكنب ده ؟
المعلمة : سمعت المديرة تقول ناس المنحة المدرسية ، يعني انتو ؟ شكرا ليكم . قبل المنحة كان الفصل خالي تماما من (الكنب). سمعت ان هنالك فرصة منحة ثانية قدرها احدى عشر الف جنيه هل هذا الكلام صحيح؟
– نعم ، اتمنى ان تنجحوا في المنافسة وتفوز خطة المدرسة
المعلمة : هذا الواقع الذي امامك لا يحتاج الي منافسة فحاجة المدرسة واضحة ولا تحتاج لشرح ولجان؟!
– سكوت .. ثم قلت لها : الله يسهل .
المعلمة : اتمنى ان ياتي يوما يجلس فيه كل التلاميذ في كنب مريح
– نظرت الي احد الاطفال الجالسين علي الارض ثم سالته ما اسمك ، قال: احمد الحاج علي
ومن ورائي سمعت المعلمة تقول هذا ابني احمد
– نظرت اليها بدهشة ! كم هي رائعة .. قبلت لابنها ان يجلس علي الارض ، ثم استاذنت من ادارة المدرسة واعددنا انفسنا للمغادرة .
عند الساعة 4:30م ، اوصلنا الاستاذ : فتح الرحمن الي موقف مواصلات قرية ود الشجرة فقد انتهى زمن الدوام الحكومي وعلي فتح لرحمن ان يغادر الي اسرته .
في طريقنا متجهين من دوكة الي مدينة كسلا دار نقاش طويل بين اعضاء فريق العمل حول الفوائد التي حققها المشروع بمنطقة دوكة ولكني كنت قلقا ، دائم التفكير حول استمرارية المشروع ، حيث اني لمست الاثر الايجابي الذي احدثه علي نوعية الخدمات التعليمية المقدمة في ريف المحليات المستهدفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *